أحمد بن محمد القسطلاني

222

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

بإسناد حسن قال : أهديت للنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شاة فجثا على ركبتيه يأكل فقال له أعرابي : ما هذه الجلسة ؟ فقال : " إن الله جعلني كريمًا ولم يجعلني جبارًا عنيدًا " واستنبط من هذه الأحاديث كراهة الأكل متكئًا لأنه من فعل المتعظمين وأصله مأخوذ من ملوك العجم ، وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عباس وخالد بن الوليد وعبيدة السلماني ومحمد بن سيرين وعطاء بن يسار والزهري جواز ذلك مطلقًا ، وإذا ثبت أنه مكروه أو خلاف الأولى فليكن الأكل جاثيًا على ركبتيه وظهور قدميه أو ينصب الرجل اليمنى ويجلس على اليسرى ، واختلف في علة الكراهة فروى ابن أبي شيبة من طريق إبراهيم النخعي قال : كانوا يكرهون أن يأكلوا المتكأة مخافة أن تعظم بطونهم ، وحكى ابن الأثير أن من فسر الاتكاء بالميل على أحد الشقين تأوّله على مذهب الطب بأنه لا ينحدر في مجاري الطعام سهلًا ولا يسيغه هنيئًا وربما تأذى به . 14 - باب الشِّوَاءِ وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { فَجَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ } أَيْ مَشْوِيٍّ ( باب ) جواز أكل ( الشواء . وقول الله تعالى ) في قصة إبراهيم عليه الصلاة والسلام : ( { فجاء بعجل } ) ولد البقرة وكان مال إبراهيم عليه الصلاة والسلام ( { حنيذ } ) [ هود : 69 ] ( أي مشوي ) بالحجارة المحماة . 5400 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ قَالَ : أُتِيَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِضَبٍّ مَشْوِيٍّ ، فَأَهْوَى إِلَيْهِ لِيَأْكُلَ ، فَقِيلَ لَهُ : إِنَّهُ ضَبٌّ فَأَمْسَكَ يَدَهُ . فَقَالَ خَالِدٌ : أَحَرَامٌ هُوَ ؟ قَالَ : « لاَ . وَلَكِنَّهُ لاَ يَكُونُ بِأَرْضِ قَوْمِي ، فَأَجِدُنِي أَعَافُهُ » . فَأَكَلَ خَالِدٌ وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَنْظُرُ قَالَ : مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ بِضَبٍّ مَحْنُوذٍ . وبه قال : ( حدّثنا علي بن عبد الله ) المديني قال : ( حدّثنا هشام بن يوسف ) قاضي صنعاء قال : ( أخبرنا معمر ) هو ابن راشد ( عن الزهري ) محمد بن مسلم ( عن أبي أمامة بن سهل ) أي ابن حنيف ( عن ابن عباس عن خالد بن الوليد ) أنه ( قال : أتي النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بضب مشوي فأهوى ) بيده ( إليه ليأكل ) منه ( فقيل له ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : يا رسول الله ( إنه ضب فأمسك يده ) الشريفة عنه ( فقال خالد ) أي ابن الوليد ( أحرام هو ؟ قال ) : ( لا ) حرمة فيه ( ولكنه لا يكون بأرض قومي فأجدني أعافه ) قال في القاموس : عاف الطعام والشراب ، وقد يقال : في غيرهما يعافه ويعيفه عيفًا وعيفانًا محرّكة وعيافة وعيافًا بكسرهما كرهه فلم يأكله ( فأكل خالد ورسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) إليه . ( وقال مالك ) الإمام فيما وصله مسلم ( عن ابن شهاب ) الزهري ( بضب محنوذ ) بدل مشوي . قال في القاموس : حنذ الشاة يحنذها حنذًا وتحناذًا شواها وجعل فوقها حجارة محماة لتنضجها فهي حنيذ أو هو الحار الذي يقطر ماؤه بعد الشيء . ومطابقة الحديث للترجمة من جهة كونه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أهوى ليأكله ثم لم يمتنع إلا لكونه ضبًّا فلو كان غير ضب لأكل قاله ابن بطال . وهذا الحديث سبق قريبًا . 15 - باب الْخَزِيرَةِ . وَقَالَ النَّضْرُ : الْخَزِيرَةُ مِنَ النُّخَالَةِ وَالْحَرِيرَةُ مِنَ اللَّبَنِ ( باب الخزيرة ) بالخاء المعجمة والزاي وبعد التحتية الساكنة راء . ( قال النضر ) : بفتح النون وسكون الضاد المعجمة بعدها راء ابن شميل بضم المعجمة مصغرًا النحوي اللغوي المحدث ( الخزيرة ) يعني بالمعجمة تتخذ ( من النخالة ) أي من بلالتها وقال في القاموس : الخزير والخزيرة شبه عصيدة بلحم وبلا لحم عصيدة أو مرقة من بلالة النخالة ( والحريرة ) يعني بالمهملات تتخذ ( من اللبن ) قال في الفتح : وهذا الذي قاله النضر وافقه عليه أبو الهيثم لكن قال من الدقيق بدل اللبن وهذا هو المعروف ويحتمل أن يكون معنى اللبن أنها تشبه اللبن في البياض لشدّة تصفيتها اه - . لكن قال في القاموس : الحريرة دقيق يطبخ بلبن أو دسم . 5401 - حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي مَحْمُودُ بْنُ الرَّبِيعِ الأَنْصَارِيُّ ، أَنَّ عِتْبَانَ بْنَ مَالِكٍ - وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا مِنَ الأَنْصَارِ أَنَّهُ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنِّي أَنْكَرْتُ بَصَرِي ، وَأَنَا أُصَلِّي لِقَوْمِي ، فَإِذَا كَانَتِ الأَمْطَارُ سَالَ الْوَادِي الَّذِي بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ ، لَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ آتِيَ مَسْجِدَهُمْ فَأُصَلِّيَ لَهُمْ ، فَوَدِدْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَّكَ تَأْتِي فَتُصَلِّي فِي بَيْتِي فَأَتَّخِذُهُ مُصَلًّى . فَقَالَ : « سَأَفْعَلُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ » . قَالَ : عِتْبَانُ : فَغَدَا عليَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبُو بَكْرٍ حِينَ ارْتَفَعَ النَّهَارُ ، فَاسْتَأْذَنَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَذِنْتُ لَهُ ، فَلَمْ يَجْلِسْ حَتَّى دَخَلَ الْبَيْتَ ، ثُمَّ قَالَ لِي : « أَيْنَ تُحِبُّ أَنْ أُصَلِّيَ مِنْ بَيْتِكَ » ؟ فَأَشَرْتُ إِلَى نَاحِيَةٍ مِنَ الْبَيْتِ ، فَقَامَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَكَبَّرَ ، فَصَفَفْنَا ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ وَحَبَسْنَاهُ عَلَى خَزِيرٍ صَنَعْنَاهُ ، فَثَابَ فِي الْبَيْتِ رِجَالٌ مِنْ أَهْلِ الدَّارِ ذَوُو عَدَدٍ ، فَاجْتَمَعُوا فَقَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ : أَيْنَ مَالِكُ بْنُ الدُّخْشُنِ ! فَقَالَ بَعْضُهُمْ : ذَلِكَ مُنَافِقٌ ، لاَ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ . قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : « لاَ تَقُلْ ، أَلاَ تَرَاهُ قَالَ : لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ يُرِيدُ بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ » ؟ قَالَ : اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ . قَالَ : قُلْنَا فَإِنَّا نَرَى وَجْهَهُ وَنَصِيحَتَهُ إِلَى الْمُنَافِقِينَ فَقَالَ : « فَإِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَنْ قَالَ : لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ » ؟ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ : ثُمَّ سَأَلْتُ الْحُصَيْنَ بْنَ مُحَمَّدٍ الأَنْصَارِيَّ أَحَدَ بَنِي سَالِمٍ ، وَكَانَ مِنْ سَرَاتِهِمْ عَنْ حَدِيثِ مَحْمُودٍ ، فَصَدَّقَهُ . وبه قال : ( حدّثني ) بالإفراد ولأبي ذر : حدّثنا ( يحيى بن بكير ) بالموحدة المضمومة مصغرًا قال : ( حدّثنا الليث ) بن سعد الإمام ( عن عقيل ) بضم العين مصغرًا ابن خالد ( عن ابن شهاب ) الزهري أنه ( قال : أخبرني ) بالإفراد ( محمود بن الربيع ) بفتح الراء وكسر الموحدة ( الأنصاري أن عتبان بن مالك ) بكسر العين ( وكان من أصحاب النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ممن شهد بدرًا من الأنصار أنه أتى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال : يا رسول الله إني أنكرت بصري ) أي ضعف أو عمي ( وأنا أصلي لقومي ) وللإسماعيلي من طريق عبد الرحمن بن نمر جعل بصري يكل ، ولمسلم من طريق سليمان بن المغيرة عن ثابت أصابني في بصري بعض الشيء وكل ذلك ظاهر في أنه لم يكن بلغ العمى إذ ذاك ، لكن عند